إيلاف شبش
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حاسوبية متطورة، بل أصبح قوة إعلامية جديدة تُعيد رسم حدود المهنة الصحفية.فمن جهة، أتاح للصحفيين أدوات مذهلة للبحث والتحليل وسرعة النشر، ومن جهة أخرى فتح الباب أمام موجة غير مسبوقة من التضليل الرقمي والمحتوى المفبرك الذي يهدد الثقة في الإعلام.
لقد دخلنا مرحلة لم تعد فيها المعلومة هي ما يُنشر، بل ما يستطيع القارئ التحقق من صحته
أولًا: كيف يُغيّر الذكاء الاصطناعي شكل الأخبار؟(الوجه الإيجابي)يُقدّم الذكاء الاصطناعي اليوم أدوات لا غنى عنها في العمل الصحفي الحديث، تمكّن غرف الأخبار من التحول نحو ما يُعرف بـ”الصحافة الذكية المؤتمتة”.ومن أبرز استخداماته الإيجابية:
1. توليد المحتوى الآلي:باتت المؤسسات الإعلامية تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لإنتاج تقارير بشكل تلقائي حول نتائج المباريات، وحركة الأسهم، والنشرات الجوية.هذا النمط من الإنتاج الذكي يحرّر الصحفيين من المهام الروتينية، ويمنحهم وقتًا أكبر للتحقيقات المعمقة.
2. تخصيص الأخبار:من خلال تحليل اهتمامات وسلوك القراء، يمكن للمنصات تقديم محتوى مخصص بدقة لكل مستخدم.على سبيل المثال، إذا كنت تتابع قضايا البيئة، فسيُظهر لك الذكاء الاصطناعي تلقائيًا أحدث المقالات المرتبطة بالمناخ أو الطاقة النظيفة.
3. رصد الاتجاهات وتحليل البيانات الضخمة:تساعد الخوارزميات الصحفيين على تتبع الموضوعات الصاعدة قبل أن تصبح “ترندًا”، من خلال تحليل ملايين المنشورات والتفاعلات على المنصات الاجتماعية.
ثانيًا: الوجه الخفي للذكاء الاصطناعي
(حين يتحول الذكاء إلى أداة للتضليل) لكن الوجه الآخر لهذا التطور التقني لا يقل خطورة.فبينما تسعى المؤسسات الإعلامية لاستخدام الذكاء الاصطناعي لرفع الجودة، يستخدمه مروجو التضليل لزرع الفوضى والتشكيك في الحقائق.لقد أصبح بإمكان أي شخص — أو جهة ذات أجندة سياسية أو اقتصادية — أن تُنتج محتوى يبدو واقعيًا بالكامل، لكنه في الحقيقة مُفبرك أو مشوَّه.
فبركة المحتوى الزائف
التزييف العميق (Deepfake):من أخطر أدوات التضليل الرقمي، إذ تتيح خوارزميات الذكاء الاصطناعي إنشاء مقاطع فيديو تُظهر شخصيات عامة وهي تقول أو تفعل ما لم يحدث أصلًا.في إحدى الحالات، انتشر مقطع يُظهر أحد القادة السياسيين يتحدث بعبارات مُسيئة، قبل أن يتبين أنه مفبرك بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي.
النصوص المولّدة آليًا:بفضل نماذج اللغة الكبيرة، أصبح من السهل إنتاج مقالات وتغريدات تبدو احترافية وموضوعية، لكنها في الحقيقة تخدم أجندات مضللة.
العناوين الخادعة:تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لصياغة “عناوين الطُعم” المثيرة والمضللة لجذب النقرات، مما يرفع نسب التفاعل المزيف ويشوّش على النقاش العام.
استغلال خوارزميات النشر
خطر الذكاء الاصطناعي لا يقف عند إنتاج المحتوى الزائف، بل يمتد إلى آليات ترويجه وانتشاره.
التلاعب بخوارزميات المنصات:تُصمّم حملات التضليل تحتوي على كلمات مفتاحية وعبارات تضمن ترويجها تلقائيًا عبر خوارزميات فيسبوك، إكس، وتيك توك، بحيث تصل إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين في وقت قياسي.
الروبوتات الحسابية (Bots):
تُستخدم مزارع الحسابات الآلية لتضخيم محتوى معين، وجعل فكرة ما تبدو “رأيًا عامًا واسع الانتشار”.هذه التقنية استُخدمت بالفعل في حملات انتخابية حول العالم للتأثير على توجهات الناخبين.
تضليل معقّد… وتأثير متعدّد الطبقات
الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على اختلاق الصور أو الفيديوهات فحسب، بل يخلق بيئة من التضليل المتدرّج، تبدأ من المعلومات الناقصة وتصل إلى الأكاذيب الكاملة.في كثير من الأحيان، يكون الهدف ليس نشر كذبة صريحة، بل تشويش وعي الجمهور حتى يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف.
هذا النوع من التضليل لا يهدم الثقة دفعة واحدة، بل يُحدث تآكلًا بطيئًا يجعل الجمهور يتساءل باستمرار:“هل يمكن أن أصدّق أي شيء بعد الآن؟”
جهود منصة «صحّح»
وفي مواجهة هذا الواقع الجديد، عملت منصة “صحّح” على رصد وتفنيد عدد من الادعاءات والمحتويات المفبركة التي استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء عبر صور أو فيديوهات أو نصوص مولّدة.من بين ما تناولته المنصة:




هذه الجهود تؤكد أن التحقق الصحفي اليوم لم يعد خيارًا، بل ضرورة لحماية الحقيقة من الزيف الرقمي.

